في قضاء “عاليه” ضمن محافظة جبل لبنان، ينكبّ الصديق الأستاذ سعيد علم الدّين منذ قرابة السنتين، على بناء “دار الثقافة الموسيقيّة” في بلدته “قبر شمون”، بكثير من العشق والتفاني والإرادة الصلبة والخطوات الثابتة، بِعَكس هشاشة هذا الزمن… حيث يُولي الموسيقى المقاميّة، التي أعشقُ، بُعدًا أساسيًّا في عمليّة التعليم عنده؛ وذلك على غرار نهج مدرسة “بيت الموسيقى” في جمعيّة النجدة الشعبيّة التي تخرّج منها سنة 2019.
زيارتي هذه، هي الأولى لي، مع أنّي كنت مصمّمًا منذ فترة طويلة، إلّا أنّ المسافة، والظروف المتعاقبة أخّرت هذا اللّقاء المنتظر، لكنّه في النهاية حدث، فما أجمل ذلك…
وصلتُ مع أسرتي إلى “قبر شمون” الجميلة، والتقينا بناسها اللطفاء الكرماء الطّيّبين… ثمّ دخلنا إلى مكان دافىء، صادق، يشبه روح صاحبه وأهله، مجموعة من العشّاق المريدين المتَمَوْسِقين، ترعاهم ثلّة من الأساتذة المتفانين في التعليم، إنّه “دار الثقافة الموسيقيّة”.
كان كلّ تلميذ يحمل آلته التي يُحبّ، منتظرًا إشارة من أستاذه بفارغ الصبر، حتّى يبدأ العزف ليُسمعني شيئًا من الموسيقى المقاميّة الساحرة… سمعت واستمتعت بوصلات موسيقيّة متقنة من المقامات الزلزليّة الأساسيّة الثلاثة: الراست والبيّاتيّ والسيكاه، وذلك بحسب نهج موسيقى النهضة العربيّة (1798-1939م.).
ومن دون تردّد، استلمت “سنطوري” وطلبت من ابني “أشرف” وابنتي “غزل” مشاركتي العزف، كذلك استجاب وفعل رفيق الدرب الأستاذ “ناجي العريضي” ضابطًا لنا الموازين الإيقاعيّة بِـ”رِقِّه” الرصين، فتناوبنا على الأداء بكثير من المتعة والطرب… بعدها دارت الأحاديث الموسيقيّة بيننا في الدار، وحاولت الإجابة قدر المستطاع على أسئلة وتطلّعات هؤلاء الطلّاب، الذين يقتربون خطوة خطوة من المشاركة في رسم ملامح المستقبل الموسيقيّ المقاميّ مع زملائهم في الوطن وخارجه.
في الختام فاجأني مدير “دار الثقافة الموسيقيّة” الأستاذ “سعيد علم الدّين” بتقديمه درعًا تكريميًّا لي عربون شكر وتقدير! للحقيقة، هو من يستحقّ التكريم، على هذا الإنجاز الذي قام به وما يزال، وبمبادرة فرديّة، وبرعاية عائليّة من أخته ووالدته من جهة (لهما ألف تحيّة)، ومن فريق الأساتذة المتفانين معه والمؤمنين برسالة التعليم من جهة أخرى.
لكم ننحني، وندعو بأنّ تستمرّوا بثبات وتكبروا وتنتشروا، لأنكم تستحقّون ذلك، والوطن والمنطقة بحاجة لأمثالكم.
محبّتي؛ هيّاف ياسين












