عكار تنتصر لثقافة الحياة مع “فرقة التراث  الموسيقي العربي” بقيادة د.هيّاف ياسين أحد مُحيي الموسيقى المشرقيّة العربية

د. مصطفى الحلوة

(رئيس “مركز عكار للدراسات والتنمية المستدامة)

” نعم.. أردناها انتصارًا لثقافة الحياة، ففي الموسيقى فعلُ مقاومة ! أردناها إعلاءً لأصالة الموسيقى المشرقيّة العربيّة، بما يُعيدنا إلى زمن الفن الراقي الجميل، علّنا نواجه بشاعات أيامنا السود، التي تدهمنا من كلّ فجٍّ عميق! .. وعسانا نبرأُ من أوجاعنا، ومن حالة التونّر ، التي نُكابدها، بفعل منظومة الفساد والإفساد، إذْ قلبت حياتنا رأسًا على عقِب، ووضعتنا بين فكَّي أزمة مصيرية وجودية، لن تُبقيَ ولن تَذَر!”.. بهذه العبارات، استهلَّ د.مصطفى الحلوة  كلمته، في الأُمسية الموسيقية الرمضانية، التي أقامها ” مركز عكار للدراسات والتنمية المستدامة”، بالشراكة مع “المدرسة الوطنية الارثوذكسيّة-الشيخطابا”، و”جمعية عِيْشْ عكار”، وبالتعاون مع “كلية عصام  فارس للتكنولوجيا/جامعة البلمند-بينو”، التي غصّ مسرحها بجموع كبيرة، جاءت من مختلف بلدات وقرى عكار ومن خارجها، للمشاركة في هذه الفعالية الرمضانية، التي شكّلت مُتنفَّسًا، بعد طول احتباس، ومديدِ حجْرٍ كوروني، وفي حُمّى معاناة حياتية لا سابق لها. وقد كان لافتًا تعليقُ الإعلامي الأستاذ ناصر بيطار، إذْ رأى إلى هذه الفعالية الفنية الرائعة ” وقتًا مُستقطعًا، خارج جهنم!”، وليُضيف بأنها كانت “ليلة قَدْر”، تُقرّبنا من الخالق، ومن جماله المُنساب على وتر، والمتألّق بالانشاد الجميل المُبدع! وكان للأستاذة الجامعية د. سوسان جرجس أن ترى إلى هذه الليلة “ليلة تتواصل فيها الأرض مع السماء. فالموسيقى هي صوت الروح والمعنى والوجود، رحلة تغادر بها ضجيج الأفكار لتهيم في فضاء من التأمل والإلهام”.

وإذْ آثر د.حلوة عدم التبسُّط في الكلام، لأن “ثمّة لغةً أكثرَ بلاغةً واعظمَ تاثيرًا في النفوس ، هي لغة الموسيقى، اللغة الكونيّة، في أبهى مقاماتها والتقاسيم! بل هي لغة الباري، يُرنّمُها كلّ ما في الطبيعة، من حيّ وجماد! لغةٌ من خارج عالمنا الترابيّ الزائل، تتنزّلُ علينا بَردًا وسلامًا!”

وإذْ رأى د.حلوة أنّ في الموسيقى شفاءً من عللنا والأوجاع، فقد توجّه إلى الحضور قائلًا: د.هيّاف ياسين يُناديكم، وهو يُردّد على مسامعكم: “تعالَوا إليَّ، أيُّها المُتعَبون، فلديَّ الدواء، ولكم عندي شفاء!”،وليختم د.حلوة:” لبّوا النداء، أحبّاءنا، أنصتوا إليه وإلى فرقته، في هيكل الموسيقى، واعلموا أنّ لهذا الهيكل حُرمتَه!”

هذه الأُمسية الموسيقية، التي تمّ إحياؤها على مرمى يومين من عيد الفطر المبارك (28 رمضان/ 29 نيسان 2022)، وغداة الفصحين المجيدين، كان لها فعلُ السحر على المشاركين، فقد صمتوا خشوعًا، حيث وَجَبَ الصمت، وتفاعلوا، بكلّ ما يمتلكون من مشاعر ضاجّةٍ وأحاسيس عالية، حيث ينبغي التفاعل! 

هذا الجوّ، من الصمت المطبق، وجد ترجمته الأكثرَ تعبيرًا، لدى رئيس الفرقة د.هيّاف ياسين. فعندما راح وجهُه يتصبّبُ عرقًا، تقدّمتُ منه كي أُناوله منديلًا، فإذا هو ذاهلٌ، كما المتصوفة، في غيبة عن هذا العالم المادي وانفكاك. وقد توهّمتُ أنَّه نائمٌ، وما هو نائمٌ، ولكنَّ فِعلَ موسيقاهُ شديد! 

“فرقة التراث الموسيقي العربي”،بلغت مُنتهى التجلّي في هذه الأمسية المشهودة، بمتابعةٍ من “قائدها” المُلهم د.هيّاف، حيث كان يُتابع  كلّ عضوٍ فيها، بل كل حركة من حركاته بعينيه، مثلما يُتابعه بإيقاع سنطوره!

كانت بحق “ليلة قدر” موسيقية، أخذنا بها د. هياف ياسين وفرقته المبدعة إلى خارج عالمنا الترابي الزائل، حيث لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر. 

وعن أعضاء هذه الفرقة، فكل رُكن فيها مُبدعٌ في مجاله. فقد أخذ بمجامع قلوبنا الفنان كريستو العلماني: غناءً وعزفًا على آلة العود، فأجاد أيّما إجادة. أما ستيڤن العريضي، فقد كان عازفًا على كمنجته العربية، بقدر عزفه على أوتار قلوبنا، فيُحييها، إثرَ تبلُّدٍ موروث من الزمن الكوروني! وقد كان للفنان ناجي العريضي، بنقرات رقّه أن يُحدّد معالم الطريق لرفاق فرقته. وفي الإنشاد، لاسيما ذا السمة الرمضانية والابتهالية، كان للمنشد، مُتقن فنّ التجويد، جميل العلي،أن يتبادل أدوار الغناء مع الجمهور، في مُناخ تفاعلي، ولا أروع. وقد حفل برنامج الفرقة بوصلتين موسيقيتين مقاميتين، أولاهما من مقام البياتي، تضمّنت ثماني فقرات، في عِدادها موشح “أخفي الهوى”، من نظم سلطان العاشقين عمر بن الفارض. وهو الموشّح الذي فاز بتلحينه د.هيّاف، في المسابقة الدولية للتأليف الموسيقي العربي، التي نظّمها “المجمع الموسيقي العربي” في العام 2019.

أما الوصلة الثانية، وهي من مقام الحجاز، فقد حوت عدة فقرات، من بينها تقاسيم مُرسلة على الكمنجة، وقصيدة مرسلة، من وحي رمضان، بل ختام هذا الشهر الفضيل، بعنوان:”

 يا رفاقي ، ودّعوا شهر الصيام!”

ختام الأمسية، فتلةُ الدراويش المولوية، على إيقاع وصلة قدود عزفية من مقام الحجاز. وقد كانت ضيافات رمضانية.

***

-مهّد للأمسية عضو الهيئة التأسيسية لِـ”مركز عكار” الأديبة أمل صانع، وكانت كلمتان، إحداهما لرئيس بلدية الشقدوف رئيس “جمعية عيش عكار” بول سعّود، والثانية للدكتور مصطفى الحلوة. وقد تميّزت الأمسية بحضور كثيف، في عدادهم؛ عميد كلية عصام فارس للتكنولوجيا د.أيلي كرم، النائب السابق المهندس نضال طعمة، رئيس إتحاد بلديات الجومة المحامي روني الحاج، رئيس “مركز تموز” د.أدونيس العكره، مأمور نفوس بيت ملات السيدة جاندارك دعبول سعود، د.دال الحتّي، رئيس جمعية مبادرات وقرارات، قدس الأب نعمة أيوب، راعي كنيسة قبولا – بينو،  إلى ممثلي هيئات  وجمعيات متعددة، وطلبة جامعيين، من أصدقاء “مركز عكار” ومهتمين .

الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *