هياف ياسين إبن عكار في لبنان، عرف مُبكراً، ما يريد. أراد الموسيقى. النشأة في بيت يهوى العزف والغناء، ساعده في تكوين ذائقته الموسيقية. شغفه الموسيقي سمح له أن يخوض مشروع تطوير آلة السنطور ذات الجذور الفارسية والعراقية، حتى تلبي حاجة الموسيقى الشرقية.

image

ماذا لو حَكَمَ الموسيقيون العالم؟ ربما تصبح الدنيا أكثر رأفة بالمُتعبين. ليست هذه الإجابة الوافية بأية حال، فكما تعمل الموسيقى على تهذيب النفس وحيواتها، فإنها سلاح المُحاربين الذين يهمّون بالقتل. لكن الموسيقى، في المُحصّلة، هي ما نريده منها.

هياف ياسين إبن عكار في لبنان، عرف مُبكراً، ما يريد. أراد الموسيقى. النشأة في بيت يهوى العزف والغناء، ساعده في تكوين ذائقته الموسيقية، وإن لم تكن هناك قاعدة تشترط خروج الموسيقي من بيت موسيقي.

الموسيقى شغف، تُولد كما يبزغ النجم. هكذا تحوّل فضول الطفل هياف، إلى شغف موسيقي يسكن قلبه وعقله، وأخذ يكبر معه منذ كان في الثالثة من العمر. فراح يعزف على آلة الإيقاع مُتّبعاً والده، حتى أتقن السمع وتبيّن أنه يمتلك أذناً وذكاء موسيقيين. تلك الموهبة تفجّرت فنوناً مختلفة وكان مسرحها المدرسة. غناء، تقليد، تمثيل، عزف ورقص.

“عندما بلغت ال 12 من عمري، أسّست فرقة في القرية كان جميع عازفيها أكبر مني سنّاً، ولم يكن من أفق أمامنا سوى المشاركة في إحياء الأعراس والحفلات الخاصة”، يقول هياف ياسين للميادين نت.

هياف كان كمعظم اللبنانيين. عليه البحث عن العِلم الذي يؤمّن له عملاً براتب لائق، ولا ضير إن احتفظ بموهبته. فالناس يفترضون أن الموهبة في مكان، والمستقبل في مكان آخر. لكن إصراره بعد انتهائه من الدراسة الثانوية على التخصّص في الموسيقى أثار ثائرة عائلته. “قراري حينها كان صعباً جداً”، يتذكّر هياف كيف رضخ بداية لرغبة الأهل ودخل كلية الهندسة لتفوّقه العلمي. لكنه مع الوقت اكتشف أن الشغف والرغبة في الموسيقى أكبر بكثير مما قد يقدّمه له أيّ اختصاص آخر.

“تيقّنت أني لا أستطيع التخلّي عن الموسيقى، وعليه فقد اتّخذت القرار بمغادرة كلية الهندسة والدخول إلى كلية التربية الموسيقية في الجامعة اللبنانية”، يقول هياف مُستعيداً ردّ فعل عائلته الذي وصل إلى حد إحداث قطيعة معه.

رغم عِلمه المُسبَق بضيق أرضيّة الحيّز الموسيقي في لبنان وتحديداً في عكار، إلا أن هياف ظلّ أسير شغفه الداخلي حتى “وجدت نفسي وتفوّقت، وأثمر هذا التفوّق من السنة الأولى فاكتشفت قدرتي على التعليم الموسيقي، ومنذ مطلع الألفية الجديدة حتى اليوم، علّمت ما لا يقل عن 10 آلاف طالب”.

العام 2000 كان عام التغيير المُفاجىء والجذري في حياة هياف الموسيقية. فقد صودف أن أُعلن عن حفل في قصر الأونيسكو في بيروت، يُحييه عازف آلة السنطور الفارسي، الإيراني غلام رضا مشايخي.

في ذلك الوقت كان هياف يدرس البيانو وغيره من الآلات الموسيقية ويتحضّر للذهاب إلى أوروبا، لكن “بعد حضوري الحفل، خرجت منه مذهولاً. آلة السنطور كان لها عليّ وقع السحر”، يقول مُتذكّراً كيف طرح على أستاذه في الكلية، بعد سنتين من ذلك اليوم، طرح عليه الانتقال من الموسيقى الغربية إلى العربية الشرقية. أبدى أستاذه حينها ترحيباً واسعاً، هنا، طرح هياف ما كان يجول بباله منذ وقت طويل. “هل من الممكن أن نحوّل آلة السنطور إلى آلة عربية؟” سأل هياف وأُجيب أن ذلك ممكن بالتأكيد.

“ذهبت برفقة أستاذي إلى بيته. كان مشايخي قد ترك له السنطور فربما يريد أحد من الموسيقيين اللبنانيين استخدامه بطريقة ما، رغم ندرة الموسيقيين الذين يتركون آلاتهم. بات السنطور في بيوت الكثير من الموسيقيين لكن لم يُفعل به شيء، فعاد إلى منزل أستاذي”. كان السنطور الفارسي صغيراً. أمسك هياف بالمضربين الخشبيين وراح يعزف، فيما أستاذه في غرفة أخرى، ليكتشف أنه عثر على سلّم موسيقي قريب من “سلّم البيّاتي”.

“هذا السلّم هو داس تاشور، فارسي”، قال الأستاذ لهياف. عاد الأخير إلى سكن الطلاب، وظل يعمل على ضبط أوتار السنطور حتى الخامسة صباحاً. “بقيت على هذه الحال حتى تمكّنت من عزف سماعي ثقيل بيّاتي لإبراهيم المصري، وهي قطعة جدّ كلاسيكية”، يشرح هياف كيف بات شغفه بالسنطور يتطوّر حتى “حضرت في ذلك الصباح إلى الحصّة الدراسية التي عندما انتهت قمت بعزف مقطوعة شرقية أشاعت في أستاذي الفرح العارِم، فقال لي “هذا السنطور سيبقى معك””.

هنا بدأت مسيرة هياف. لكن تلك المسيرة لم تكن لتكتمل لولا لقائه بمشايخي الذي جاء بالصدفة أيضاً. فقد طلب من مشايخي إحياء حفل وفيما هو يترجل من الطائرة وقع سنطوره أرضاً وتضرّر. لم يكن أمامه سوى طلب سنطوره القديم. حمل هياف السنطور واستقلّ الباص من عكار إلى بيروت. هناك تعرّف شخصياً إلى مشايخي الذي صارح هياف بعد عزفه مقطوعات شرقية أن بمقدروه ابتكار سنطور عربي. “هنا بدأت مسيرتي فعلياً، أسّست فرقة وأطلقت الحفلات. طلّقت البيانو وتزوّجت السنطور”.

رحلة تحويل السنطور إلى آلة عربية لم تكن سهلة البتّة. فقد استلزم الأمر جهداً علمياً جبّاراً. دراسة فيزيائية عن السنطور وكيفية تشكيله – خشباً وثقوباً وأوتاراً – . الرجل الذي أطلق أيضاً السنطور التربوي للأطفال ويعمل مُدرّساً موسيقياً في أكثر من جامعة، يقول إن الحدس ساعده في إحداث التغيير.

السنطور الذي أصبح جزءاً من الموسيقى الشرقية لم يكن ليصير كذلك إلا من خلال استحداث أوتار، و”دامات” ومساحات لها جعلته أكبر من ذلك المعهود في الثقافتين الموسيقيتين العراقية والفارسية. وذلك ليستوفي كل النغمات. إذ إن المقامات الشرقية تحديداً لم يكن لها لتنوجد إلا بإضافة ما أضافه هياف الذي أنشأ “فرقة التراث الموسيقي العربي”، تجول كل لبنان وله إصدارات موسيقية شرقية.

لكن ما هي حكاية السنطور؟ يجيبنا هياف أنها “آلة موسيقية تنتمي إلى عائلة غيثارة الطاولة. حيث تقنيات العزف عليه هي بالضرب على الأوتار بواسطة مضرب من خشب وبطريقة مباشرة”، ويكشف أن البيانو هو حفيد السنطور. فالأخير “دخل إلى أوروبا في القرون الوسطى وحمل أكثر من إسم”. وإذ من الصعب تحديد مكان جغرافي نشأ فيه السنطور إلا أنه مذكور في سفر دانيال، أي منذ نحو 3000 سنة. يقول هياف إن “التسمية ربما هي القريبة لكن في الشكل فليس من الضروري أن يكون هو نفسه”. لم تعرف الشعوب أن تميّز بين آلتيّ السنطور والقانون، إلى أن جاء إبن أيّاس إلى مصر في العام 1520، شارحاً للناس أن “القانون هو ما يُنقَر عليه والسنطور هو ما يُضرَب عليه”، ومنذ ذلك الحين أصبح التمييز قائماً بينهما. يقول هياف ياسين إن السنطور منتشر بشكل كبير في تقاليد موسيقية مختلفة، فهي متواجدة في بلاد فارس والعراق والصين والهند والبلقان وأوروبا الشرقية، لكنها سناطير تختلف في الشكل والصوت وتقنية الضبط والعزف. لكن يبقى العراق البلد العربي الوحيد الذي استخدم السنطور بشكل كبير في المقام العراقي فقط.

إبن أبيه

أشرف (8 سنوات)، نجل هياف، يُبهرك. تشعر لوهلة أن الشغف بالموسيقى ينتقل بالوراثة. الصغير الذي لا يني يبتسم بحياء ولطف كبيرين، لا يسعى أن يصبح طبيباً، كما أنه لا يعرف ما سيكون عليه في المستقبل. لكن ما يعرفه هو حبّه للسنطور. يداه الصغيرتان تُمسكان المضربين وتذهبان عزفاً كما لو إنهما يدا والده. يداعب العزف مسمعك حتى تخال نفسك أمام عازف مُتمرّس. فأيّ مستقبل موسيقي ينتظر أشرف؟ هذا ما ستكشف عنه السنين القادمة.

ميديا (مكتوب ومرئيّ)؛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *